عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

89

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : « وَرَحْمَةٌ » عطف على الصلاة ، وإن كانت بمعناها ، فإن الصلاة من اللّه رحمة ؛ لاختلاف اللفظين كقوله : [ الوافر ] 848 - وقدّمت الأديم لراهشيه * وألفي قولها كذبا ومينا « 1 » وقوله : [ الطويل ] 849 - ألا حبّذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النّأي والبعد « 2 » قوله تعالى : « مِنْ رَبِّهِمْ » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف ؛ لأنه صفة ل « صلوات » و « من » للابتداء ، فهو في محلّ رفع ، أي : صلوات كائنة من ربّهم . والثّاني : أنه يتعلق بما تضمنه قوله : « عليهم » من الفعل إذا جعلناه رافعا ل « صلوات » رفع الفاعل ، فعلى الأول ، يكون قد حذف الصفة بعد « رحمة » أي : ورحمة منه . وعلى الثّاني : لا يحتاج إلى ذلك . وقوله : « وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ » نظير : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] وفيه وجوه : أحدها : أنهم هم المهتدون لهذه الطّريقة الموصّلة بصاحبها إلى كل خير . وثانيها : المهتدون إلى الجنّة الفائزون بالثواب . وثالثها : المهتدون لسائر ما لزمهم . فصل في الكلام على الآية قال أبو البقاء : « هُمُ الْمُهْتَدُونَ » هم : مبتدأ أو توكيد أو فصل . فإن قيل : لم أفرد الرحمة وجمع الصّلوات ؟ فالجواب : قال بعضهم : إن الرحمة مصدر بمعنى التعطّف والتحنّن ، ولا يجمع و « التّاء » فيها بمنزلتها في الملّة والمحبّة والرأفة ، والرحمة ليست للتحذير ، بل منزلتها في مرية وثمرة ، فكما لا يقال : رقات ولا خلات ولا رأفات ، لا يقال : رحمات ، ودخول الجمع يشعر بالتحذير والتقييد بعده ، والإفراد مطلقا من غير تحديد ، فالإفراد - هنا - أكمل وأكثر معنى من الجمع ؛ لأنه زيد بمدلول المفرد أكثر من مدلول الجمع ، ولهذا كان قوله تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] أعمّ وأتمّ معنى من أن يقال : للّه الحجج البوالغ ، وكذا قوله : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] أتمّ معنى

--> ( 1 ) تقدم برقم ( 492 ) . ( 2 ) تقدم برقم ( 493 ) .